انقلاب الموازين المناخية: أمطار الخليج الطوفانية مقابل “الصيف الشتوي”

في مشهد يُخالف المعتاد ويقلب موازين الأرصاد الجوية رأساً على عقب، تشهد دول الخليج العربي، وتحديداً المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، موجات متتابعة من الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة. تأتي هذه الظواهر في وقت تعيش فيه دول أخرى -اعتادت على الثلوج والأمطار في هذا الوقت من السنة- أجواءً شبه صيفية دافئة وجافة.

هذا التباين الصارخ يطرح تساؤلات ملحة: هل ما يحدث هو مجرد تقلبات جوية عابرة، أم أننا نشهد تغيراً مناخياً جذرياً يعيد رسم خريطة الطقس في الشرق الأوسط؟

هل تُسمى هذه “أمطاراً رعدية”؟

إجابة على تساؤلك: نعم، وبكل تأكيد.

ما تشهده المنطقة ليس مجرد هطول مطري ديمي (مستمر وخفيف)، بل هو ناتج عن سحب المزن الركامية (Cumulonimbus) العملاقة. وتتميز هذه الحالة بالتالي:

  • عواصف رعدية عنيفة: يصاحب الأمطار برق ورعد قوي ناتج عن التفريغ الكهربائي داخل السحب الكثيفة.
  • عدم استقرار جوي حاد: تيارات هوائية صاعدة وهابطة عنيفة تؤدي إلى هطول كميات ضخمة من المياه في وقت قصير (Flash Floods).
  • رياح هابطة: تسبب عواصف رملية مؤقتة قبل الهطول.
  • تساقط البرد: في كثير من الحالات، تكون هذه السحب مصحوبة بحبات البرد (البردية) بأحجام كبيرة.

تحليل الطقس: لماذا “تغرق” الصحراء وتجف “أوروبا والشام”؟

لفهم هذه الظاهرة، يجب النظر إلى الغلاف الجوي كنظام مترابط؛ حيث يؤثر الخلل في مكان ما على المكان الآخر.

1. ما يحدث في الخليج (السعودية والإمارات)

تعرضت المنطقة لما يُعرف بـ “أخاديد جوية باردة” قادمة من الشمال، تزامنت مع تدفق رطوبة مدارية دافئة هائلة قادمة من بحر العرب والقرن الإفريقي.

  • النتيجة: التقاء الهواء البارد في طبقات الجو العليا مع الهواء الدافئ الرطب في الطبقات السفلى فوق أراضي الخليج الساخنة نسبياً، ولّد طاقة حرارية هائلة انفجرت على شكل سحب رعدية كاسحة.

2. المفارقة: “الصيف الشتوي” في الدول المطيرة

بينما يتمركز المنخفض الجوي فوق الخليج، يسيطر على مناطق واسعة من حوض البحر المتوسط وبعض دول أوروبا ما يسمى بـ “المرتفع الجوي العنيد” (Blocking High).

  • هذا المرتفع يعمل كـ “قبة” تمنع وصول السحب والأمطار، وتدفع بالكتل الهوائية الدافئة القادمة من إفريقيا نحو تلك الدول، مما يجعل طقسها مشمساً ودافئاً بشكل غير معتاد لشهر الشتاء.

التغير المناخي ومستقبل الطقس في الخليج

يشير خبراء المناخ إلى أن ما يحدث ليس صدفة بحتة، بل جزء من نمط متزايد يرتبط بظاهرة الاحتباس الحراري، ويمكن تلخيص التوقعات المستقبلية في النقاط التالية:

  • ارتفاع حرارة البحار: كلما زادت حرارة مياه الخليج العربي وبحر العرب، زادت كمية التبخر، مما يوفر “وقوداً” إضافياً للعواصف الرعدية لتكون أكثر تطرفاً وقوة.
  • تطرف الحالات الجوية: التوقعات المستقبلية لا تشير بالضرورة إلى أمطار مستمرة طوال العام، بل إلى حالات “تطرف”؛ أي فترات جفاف طويلة تتخللها أيام قليلة تهطل فيها أمطار تعادل معدل سنة كاملة، مما يسبب الفيضانات.
  • زحزحة الفاصل المداري (ITCZ): هناك نظريات علمية تشير إلى زحزحة منطقة التقاء الرياح المدارية شمالاً، مما يدفع بالأمطار الموسمية لتتوغل أكثر داخل الجزيرة العربية (ظاهرة اخضرار الصحراء).

مشاهد من الواقع: فيديوهات الأمطار

إليك بعض المشاهد التي توثق قوة الحالة المطرية الأخيرة في دول الخليج (يمكنك تضمين الروابط التالية أو استبدالها بروابط حديثة من يوتيوب أو تويتر):

ملاحظة للمحرر: يرجى نسخ أكواد التضمين (Embed Codes) للفيديوهات أدناه ووضعها هنا.

  • فيديو 1: سيول جارفة تقطع الطرق في أودية السعودية وتجعل الصحراء أنهاراً جارية.
  • فيديو 2: أمطار الإمارات الغزيرة وتأثيرها على الحركة المرورية في دبي والشارقة.
  • فيديو 3: لقطات للبرق الكثيف والعواصف الرعدية التي أضاءت سماء الخليج ليلاً.

الخلاصة

نحن نعيش حقبة مناخية تتسم بـ “اللايقين”، حيث أصبحت القواعد الجوية التقليدية تتغير. الأمطار الرعدية العنيفة في الخليج مقابل الدفء في مناطق أخرى هي جرس إنذار يؤكد أن المناخ يتغير بوتيرة متسارعة، مما يستدعي من دول المنطقة تعزيز البنية التحتية لتصريف السيول والاستعداد لمستقبل قد تكون فيه الأمطار “ضيفاً ثقيلاً” بقدر ما هي “ضيف مرحب به”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى